يوم السيف والقلم والفكر
بسم الله الرحمن الرحيم
اليوم ٢٠ فبراير (٢٠٢٦م) يوافق الذكرى ٣٣٧ لوفاة بطل السيف والقلم، الشاعر الفيلسوف الأفغاني الكبير خوشحال خان خټک.
كما أن يوم ٢٣ أبريل، اليوم العالمي للكتاب، على الأبواب. وفي مثل هذا اليوم من سنة ١٦١٦م توفي الأديب الإنجليزي الشهير ويليام شكسبير، والأديب الإسباني الكبير ميگل دي سرفانتس، وقد درج الإسبان منذ زمن بعيد على الاحتفال بهذا اليوم بتبادل الكتب والزهور.
وقد خصصت الأمم المتحدة (اليونسكو) هذا اليوم تكريماً للأدب العالمي وللكتاب، وتعزيزاً لثقافة القراءة، وصوناً لحقوق المؤلف، ونشراً للعلم والثقافة. وفي العالم الإسلامي يُحتفى بهذا اليوم عبر معارض الكتب والندوات والملتقيات الأدبية.
وكان في أفغانستان فيما مضى تُنظم برامج ثقافية للكبار والصغار لبيان قيمة المطالعة، وتُعلن التخفيضات في المكتبات، وتُنشر الرسائل الإعلامية التي تحث على القراءة وفوائدها.
في الدراسات الاجتماعية والحضارية المعاصرة يُعد الكتاب الأداة الأرسخ لحفظ المعرفة ونقلها وتجديدها؛ فالكتاب ليس مجرد مستودع للمعلومات، بل هو عنصر فاعل في إنتاج الوعي الإنساني، وصيانة الذاكرة التاريخية، وترسيخ القيم الأخلاقية، وبناء الهوية الحضارية.
وقد دلت تجارب التاريخ الفكري على أن المجتمعات التي جعلت من ثقافة القراءة والكتابة أساساً لبنائها الاجتماعي سلكت سبيل الاستمرار الحضاري بدل الانحدار والزوال.
ولا ريب أن السعادة والنجاح في الحياة لا يتوقفان على كثرة الشهادات أو عدد الكتب المقروءة فحسب؛ بل على الصحة الجيدة، والأسرة المستقرة، والصحبة الصالحة، والإيمان القوي، وطمأنينة النفس، وحسن الخلق، والقناعة.
غير أن من الحقائق الثابتة أن الإنسان بالعلم والكتاب يعرف نفسه وربه والعالم معرفة أعمق، وبالعلم استُخلِف الإنسان في الأرض، وبه عُمرت الدنيا، والعلم يمنح الإنسان عزةً ومستقبلاً مشرقاً، ويزيده بصيرةً في اتخاذ القرار، ويجعله عنصراً نافعاً في مجتمعه.
ومن الملاحظ أن الشعوب الأكثر قراءة، كالشعوب في بريطانيا وفرنسا، بلغت شأواً بعيداً في التقدم، بينما تُعد معدلات القراءة في السودان الجنوبي وأفغانستان من الأدنى.
وإن في المكتبة البريطانية بلندن ما يزيد على مئة وسبعين مليون كتاب ووثيقة محفوظة في خدمة الباحثين، وهو شاهد على عناية الأمم المتقدمة بالعلم والكتاب.
ومن منظور علم النفس التربوي، تُنمي القراءة القدرات الإدراكية المسؤولة عن التحليل والاستدلال والنقد والتفكير المفاهيمي، وتنقل الفرد من التفكير التقليدي السطحي إلى التفكير النقدي العميق. والنضج الذهني ليس رهين تقدم العمر، بل هو ثمرة التفاعل الواعي مع الأفكار والنظريات.
ويمكن التمييز بين ثلاثة أنواع من البلوغ:
- البلوغ الطبيعي: وهو الوصول إلى مرحلة جسدية معينة يكون بها الفرد قادراً على توليد جنسه.
- البلوغ القانوني: وهو السن التي يعترف فيها قانون البلد بمسؤولية الفرد الكاملة.
- البلوغ الفكري: وهو نضج التفكير، وإدراك المسؤولية، والقدرة على تحليل المسائل والالتزام بالواجبات.
وقد أرشد القرآن الكريم إلى إسناد الأمور إلى أهلها واتخاذ القرار الرشيد، كما في قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا».
إن النضج الفكري يثير الوعي العقلي الرشيد، وبه يصبح الإنسان صاحب فكر فاعل ومبدع، وقادراً على اتخاذ القرارات الرشيدة، ولذلك تُعد القراءة أساس الاستقلال الفكري.
إن الكتاب يحفظ التجارب التاريخية للأمم وينقلها، ويصون الذاكرة الثقافية التي تضمن استمرارية الهوية. والمجتمع البعيد عن الكتاب معرض لأزمة هوية وانقطاع عن تراثه.
والتحولات الاجتماعية الكبرى إنما هي ثمرة تحولات فكرية غذّتها حركة التأليف والقراءة. فالعصر الذهبي للحضارة الإسلامية، ونهضة أوروبا، والإصلاحات الحديثة قامت جميعها على أساس ثقافة الكتاب.
وقد سمّى الله تعالى القرآن كتاباً، إشارة إلى قداسته ومركزيته في بناء الأمة: «ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ».
كما أن كتب السِّيَر والفلسفة والعقيدة تنقل معاني العدل والمسؤولية والصبر والإيمان، ومن إصلاح الفرد أخلاقياً ينشأ إصلاح المجتمع ويقوم النظام العادل.
ثم إن السيف والقلم – على اختلاف وظيفتهما – متلازمان في مسيرة الأمم؛ فالسيف أداة دفاع وصيانة للسيادة، والقلم رمز العلم وباعث التقدم. غير أن القلم هو الأصل في بناء القوة الحقيقية، إذ به تُبنى العقول وتترسخ الرؤية.
والقلم والسيف كلاهما مهمان، ولكن إذا وُضع القلم والسيف جنباً إلى جنب، فإن رأس السيف يكون منخفضاً أمام القلم. فالتفكير روح العلم، والعلم بلا تفكر وتدبر لا يؤتي ثماره.
وقد أكثر القرآن من الدعوة إلى التفكر والتدبر والتعقل: أفلا يتفكرون؟ أفلا يتدبرون القرآن؟ أفلا تعقلون؟
وفي التاريخ الإسلامي برز علماء أفادوا البشرية جمعاء، منهم: أبو حنيفة في الفقه، وابن سينا في الطب، وأبو الريحان البيروني في العلوم الطبيعية والتاريخ والجغرافيا، والخوارزمي مؤسس علم الجبر، وأبو بكر الرازي في الطب والكيمياء، والفارابي في الفلسفة، وأبو حامد الغزالي في الفكر والكلام، وابن رشد في التوفيق بين العقل والنقل.
وأقترح أن يُخصص في أفغانستان اليوم الأول من شهر الحوت (٢٠ فبراير – ذكرى وفاة خوشحال خان خټک) يوماً وطنياً باسم «يوم السيف والقلم والفكر»، تُقام فيه الندوات العلمية، وتُنشر أشعاره وتعاليمه، وتُترجم آثاره إلى اللغات الأخرى، ليعرف العالم فكره وفلسفته.
وإن في ذلك تعزيزاً للعزة الوطنية وإحياءً للهوية الحضارية. فليكن الأول من شهر الحوت (شباط) يوماً نجدد فيه العهد: مع السيف دفاعاً، ومع القلم علماً، ومع الفكر بصيرةً وحكمةً.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.