×

معرفة الذات

دكتور فاروق أعظم

"من عرف نفسه فقد عرف ربه"

في ليلة من ليالي كان المصباح فى يدي وذهبت من بيت إلى بيت لأبين في المدينة أيها بيت وأيها قبر. ولأجد من ذاك الذي أضاء مصباح في هذه الليلة المظلمة، ومن نائم كأنه مات وترك من خلفه الهموم والغموم.

وجدت للأسف كل المدينة كأنها كانت مقبرة، والبيت الذي سموه بيتاً قد تحول قبراً من زمان. وكان المستيقظ إما لصاً أو سكراناً فاقد الوعي، فهم كانوا خارجين من قبورهم وكانوا في قلق واحتراس.

وقعت عيني فجأة على النور الضعيف من شباك بيت، وسمعت بكاءً وقال: "يا الله يا الله" بكل خضوع وخشوع. لم يبكِ هذا الشخص من خوف النار أو عذاب الآخرة، وما كان رجاؤه من أجل المال والأولاد أو الشهرة. وما كان متمنياً لقصور عالية وفيهم حور جميلات، ولم يكن طالباً ورثاً ولا بستاناً ولا حدائق العدن. وما كان هدفه وشوقه الإدارة أو منصباً أو رئاسة، ولم يبكِ لحصول الذهب والفضة والغالي الثمين.

بل كانت أمنية هذا الرجل عجيبة. كان باكياً متضرعاً ملحاً على ربه القادر المعطي العظيم ، راجياً منه بكل شوق أن يعرفه على ذاته، وقال هذا أقصى الطريق إلى الحق والرشاد.

"أريد أن أعرف ذاتي يا رب" وهو يلح على طلبه، رافعاً وجهه إلى السماء راجياً ذلك في بكاء من ربه العلاء:

ويقول في رجاء وبكاء: "هيئني لمعرفة ذاتي يا مقلب القلوب، يا حكيم يا وهاب".