معرفة الذات
"من عرف نفسه فقد عرف ربه"
في ليلة من ليالي كان المصباح فى يدي وذهبت من بيت إلى بيت لأبين في المدينة أيها بيت وأيها قبر. ولأجد من ذاك الذي أضاء مصباح في هذه الليلة المظلمة، ومن نائم كأنه مات وترك من خلفه الهموم والغموم.
وجدت للأسف كل المدينة كأنها كانت مقبرة، والبيت الذي سموه بيتاً قد تحول قبراً من زمان. وكان المستيقظ إما لصاً أو سكراناً فاقد الوعي، فهم كانوا خارجين من قبورهم وكانوا في قلق واحتراس.
وقعت عيني فجأة على النور الضعيف من شباك بيت، وسمعت بكاءً وقال: "يا الله يا الله" بكل خضوع وخشوع. لم يبكِ هذا الشخص من خوف النار أو عذاب الآخرة، وما كان رجاؤه من أجل المال والأولاد أو الشهرة. وما كان متمنياً لقصور عالية وفيهم حور جميلات، ولم يكن طالباً ورثاً ولا بستاناً ولا حدائق العدن. وما كان هدفه وشوقه الإدارة أو منصباً أو رئاسة، ولم يبكِ لحصول الذهب والفضة والغالي الثمين.
بل كانت أمنية هذا الرجل عجيبة. كان باكياً متضرعاً ملحاً على ربه القادر المعطي العظيم ، راجياً منه بكل شوق أن يعرفه على ذاته، وقال هذا أقصى الطريق إلى الحق والرشاد.
"أريد أن أعرف ذاتي يا رب" وهو يلح على طلبه، رافعاً وجهه إلى السماء راجياً ذلك في بكاء من ربه العلاء:
- فكيف سأعرفك يا خالقي ما لم أعرف نفسي؟
- وكيف سأكون خليفة لك في الأرض ما دمت جاهلاً عن شأني؟
- وكيف سأوصل الرسالة التي حملتني إياها؟
- وكيف سأزن الشرف الذي وهبتني إياه؟
- فكيف سأقول لأحد بأن لا يعبد غيرك، لو أطأت رأسي للطواغيت والأوثان من دونك؟
- وكيف سأشرح لغيري نعمة الحرية والنضال من أجلها، لو سلسلة العبودية ما زالت في عنقي؟
- ما معنى الحياة لو هي بأمر آخرين؟
- وكيف أقول للآخرين أن يحاربوا من أجل العدالة لو أنا تمثال للظلم؟
- كيف تطمئن نفسي إذ ما زالت أمارة بالسوء؟
- وما طعم العيش الذي يحكمه الغير ويدور بإدارة الأغيار؟
ويقول في رجاء وبكاء: "هيئني لمعرفة ذاتي يا مقلب القلوب، يا حكيم يا وهاب".